الرئيسية » الإصدارات العلمية » المقالات » تَفَاخُرُ بعضِ العربِ بين الحقِّ والباطلِ

تَفَاخُرُ بعضِ العربِ بين الحقِّ والباطلِ


 

الحمدُ لله وحدَهُ والصلاةُ والسلام على مَنْ لا نبي بعدَه، وعلى آلِهِ وصحبِهِ، وبعدُ:

 

 

 

لا يُنْكِرُ عاقلٌ عرفَ الشرعَ والقرآنَ، وقرأَ السيرةَ النبويةَ واطّلعَ على التاريخِ والأنسابِ بصورةٍ علميةٍ وصحيحةٍ وشاملةٍ ما للنسبِ (العربي) من شرفٍ وفضلٍ ومنزلةٍ تميِّزُه عن بقية الأنسابِ والأعراقِ الأخرى، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، واللهُ واسعٌ عليمٌ.

 

 

 

ومَنْ عرفَ قيمةَ اللغة العربية وأثرَها على النفس والأخلاق والعقل والفهم والدين أدركَ قيمة هذا الفضل والأثر تمامَ الإدراك.

 

 

 

قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله تعالى:

 

(إنَّ اعتيادَ اللغة يؤثر تأثيرًا قويًا في الدين والعقل والخُلُق).

 

 

 

ولو لم يكن من فضلِ العربية وإتقانِها إلا فهم الوحيين (الكتاب العزيز والسنة المطهرة) بصورةٍ أسهل من غير العرب لكان كافيًا وشافيًا ووافيًا.

 

 

 

وقد نقلَ شيخُ الإسلام ابن تيمية الإجماعَ على أن (جنس) العرب أفضل من غيرهم؛ وذلك لما يتمتعون به من صفات وأحوال – هي فيهم وعندهم – أفضل وأكثر من غيرهم؛ لذلك أهّلتهم ليكونوا الحَمَلَةَ الأوائلَ لهذا الدين العظيم ويكون آخر نبي مرسلٍ منهم و{الله أعلم حيث يجعل رسالته}، أما (آحادُ) الناس بعد ذلك فالميزانُ في تفاضلهم هو قوله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}؛ ولذلك كم من عربيٍ كافرٍ كأبي جهل هو لا يساوي ظفر مؤمنٍ عجميِ الأصلِ كسلمان وبلال رضي الله تعالى عنهما.

 

 

 

لكن – في اعتقادي – مع هذا كلِّه:

 

 

 

ليس للعربي الحقُّ أن يتفاخر بعربيته وعروبته إن كان هزيلاً في لغتها وعلومها وقوانينها، وفَهْمِ كلامها العَذْبِ وتذوقِ شعرها الجميل الرقراق، والحديثِ السهل بقواعدها بلا أخطاء كثيرة أو ركاكة واضحة.

 

 

 

وقد كان الصحابةُ الكرامُ ومن بعدهم من السلفِ الصالحِ يضربون أبناءهم – تأديبًا وتعليمًا – على اللّحْنِ في الكلام، ويرونه عيبًا كبيرًا وأمرًا قبيحًا يجبُ اجتنابُه والتنزُّه عنه.

 

قال بعضُ السلف:

 

(اللحن في الكلام أقبحُ من الجُدريِّ في الوجه).

 

 

 

وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:

 

(إن الرجل ليُكلّمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فأردّه عنها، وكأني أقضِمُ حبَّ الرمّان الحامض لبُغضي استماع اللحن، ويكلمني آخرُ في الحاجة لا يستوجبها فيُعْرِبُ فأجيبه إليها الْتِذَاذًا لما أسمع من كلامه).

 

 

 

وليس للعربي الحقُّ أن يتفاخر بعربيته وعروبيته وهو بعيدٌ كلَّ البُعْد عن أخلاق أهلها وصفاتهم الحميدة كالكرم والجود والحكمة والفصاحة والشهامة، والحياء وعزة النفس والتعالي عن السفاسف والشجاعة، ونصرة المظلوم وإكرام الجار والغيرة على المحارم واحترام العهود وحفظ الوعد والوفاء به و… غيرها من صفاتهم الطيبة التي كانوا يعرفون بها وتُعْرَفُ بهم أكثرَ من غيرهم.

 

 

 

يقول عنترةُ – وهو من شعراءِ الجاهلية -:

 

وأغضُّ طَرْفِي إنْ بَدَتْ لي جَارتِي *** حتى يُوَاري جارَتِي مأوَاهَا

 

 

 

والمصيبة اليوم في بعض عرب زماننا أنه يرى ضعفَه وهزالَه في لغة القرآن وعلومها ثم ينقل هذا الحال المزري لأبنائه حين يرمي بهم في أحضان اللغات الأجنبية الأخرى ليتعلموها ويأخذوا من طباعِ أهلها البعيدةِ عن حال أهل الإسلام والعربية، بل ربما المناقضة لهما !!

 

 

 

ولا مانع أبدًا من إتقان اللغات الأخرى ودراستها، بل قد يكون هذا مرغوبًا فيه في بعض الأحوال والأحايين، لكن ليس على حساب الإسلام واللغة الأم للمسلم (اللغة العربية)، وليس على حساب الأخلاق الفاضلة والانتماء للأبناء والآباء، وهنا يكمنُ ويتحققُ الاتِّزانُ العقليُّ للإنسان في جَمْعِهِ بين الأصالة والمعاصرة دون انهزاميةٍ بغيضةٍ أو انسلاخٍ قبيحٍ من الأصل والهوية.

 

 

 

ولو رأيتَ المظهر الخارجيَّ لـ (بعض) عرب زماننا لتأكدت أنه انسلخَ من الحياء الذي اشتهر به العرب !!

 

 

 

ولو تأملت في أخلاقه لرأيتَ البخلَ والجُبْنَ والصَّفَاقَةَ وسوء الأخلاق والطباع !!

 

 

 

ثم لو نطقَ بلسانه وأَراد أن يُعْرِبَ عن مكنونِ فؤاده لقلتَ في نفسك من شدة ما به من عِيٍّ : ” ليته سكتَ ولم يتكلم” !!

 

 

 

ولو كتبَ بقلمه بعض الكلام المسطور لفُجعْتَ بفاحش الأخطاء وكثرتها وبدائيتها مع رداءةِ الخط وقبحه !!

 

 

 

ولو تلوتَ على مسامعه قصيدةً عربيةً جزلةَ المعاني من معلّقات العرب المشهورة وما شابهها فلن يتذوقها، بل لن يفهم فحواها العام ومضمونها الإجماليّ فضلًا عن أن يغوص في أعماق بلاغتها العالية وأسرارها الغالية ليلتقط دُرَرَها وجواهرَها الثمينة!!

 

وكأنك بهذا قد أتيته بكلامٍ مبهم وألغازٍ من لغة أخرى!!

 

 

 

ثم يتفاخر بعد ذلك ويتعالى على الآخرين بأنه عربيٌّ قُحٌّ أصيلٌ !!

 

 

 

ولعلنا لو عشنا في زمنِ العرب الجاهليين – الذين نتفاخر اليوم كتفاخرهم أو ببعضه – لتبرّؤوا ممن هذا حاله خاصةً لو رأَوا كذلك مظهره وملبسه ونعومته وليونته واهتماماته التافهة !! وكيف تساهل في ستر محارمه، وفرّط في حشمتهم وحجابهم، وضَعُفَتْ غيرتُه عليهم بخلافِ ما عُرِفَ عن العرب – بالذات – من غيرةٍ شديدة !!

 

 

 

فلمَ التفاخرُ والتعالي إذن مع خوائنا وفقرنا وعجزنا وبُعْدِنا عن صفاتهم وحالهم وفِعَالهم ؟!!

 

 

 

فاللسان ليس باللسان، والقلب ليس بالقلب، والصفات ليست بالصفات، والحال ليس بالحال !!

 

 

 

ليتنا نَعِي هذا وندركُه لعلنا بصدقٍ نراجع نفوسنا ونعالج ضعفنا ونصلح اعوجاجنا ونكمل نقصنا ونتواضع مع غيرنا ونترك التشبُّع بما ليس عندنا.

 

 

 

قال رسول الهدى صلى الله عليه وسلم:

 

( المُتشَبِّعُ بما لم يعطَ كلابسِ ثوبَي زورٍ ).

 

 

 

وعلينا أن نتواضع لله تعالى ولعباد الله، وأن نجتنب التعصبَ المذموم الذي أبْطَله الإسلام، وأن ننبذه بكل صوره وأشكاله، وأن نراجع أنفسنا وحساباتنا ومفاهيمنا بصدقٍ ونعرف قيمة الإسلام ومنهجه وأحكامه ولغته العريقة وعالَمِيّتَه ورحمته و…، وحينها سيرفعنا الله عزّ وجلّ بهذا الدين وبالالتزام به في كل حياتنا، فـ (نحن قومٌ أعزَّنا اللهُ بالإسلام، وإن ابتغينا العزّة في غيره أذلّنا الله) كما قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

 

 

 

ولا مانع بعد ذلك من المحافظة على بعض العادات والتقاليد التي لا تتعارض مع ديننا وسموِّ رسالته وقِيَمِهِ النبيلة.

 

 

 

فيا أيها العرب من المسلمين:

 

 

 

عروبتكم الحقيقية تكمن في استقامتكم على دينكم ورجوعكم للغتكم العريقة والتزامكم بمكارم الأخلاق التي كانت عند أسلافكم، والتي جاء نبي الإسلام ليتمِّمَها فيكم، وهو القائل: (إنما بُعِثْتُ لِأُتَمّمَ مكارِمَ الأخلاق) – أي التي عند العرب وغيرهم – .

 

 

 

هذا هو الأصلُّ الحقيقي واللبُّ الأكبر فلا تتركوه لبعض القشور والشَّكليَّات التي لا تُسْمِنُ ولا تُغْنِي من جوعٍ !!

 

 

 

وختامًا:

 

هذه همسةُ محبٍ ناصحٍ يريدُ الخير لنفسه ولأحبابه، فأرجو تقبّلها بروحِ المؤمنِ الذي يدورُ مع الحقِّ فقط ولو كان مُرَّ المذاق أحيانًا.

 

 

 

وكاتب هذه السطور ممّنْ يطولُه جزءٌ مما في هذه الهمسةِ الأخويةِ التي تكشفُ بعضَ الخطأ والقصور عند بعض الناس دون تعميمٍ، ودون نسيان أنَّ الخيرَ لا محالةَ باقٍ لكنه أقل من المؤمَّل، {وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم}.

 

 

 

قال عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه:

 

(اقبلِ الحقَّ ممّن قاله ولو كان بغيضًا، ورُدَّ الباطلَ على من قاله وإن كان حبيبًا).

 

 

 

وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين، والحمدُ لله رب العالمين.

 

 

 

كتبه: وضاح بن سعيد الشعبي.

 

14 شوال 1436 هـ

 

30 يوليو 2015 م

 

يوم الخميس.